أحمد بن علي القلقشندي

293

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

من فقده ، فهو وقذك ولم يقذ غيرك ؟ بل مصابه أعظم وأعمّ من ذلك ، وإنّ من حق مصابه أن لا تصدع شمل الجماعة بفرقة لا عصام لها ، ولا يؤمن كيد الشيطان في بقائها . هذه العرب حولنا ، واللَّه لو تداعت علينا في صبح نهار لم نلتق في مسائه . وزعمت أن الشوق إلى اللَّحاق به كاف عن الطمع في غيره ! فمن علامة الشوق إليه نصرة دينه . وموازرة أوليائه ، ومعاونتهم . وزعمت أنك عكفت على عهد اللَّه تجمع ما تفرق منه ؛ فمن العكوف على عهد اللَّه النصيحة لعباد اللَّه ، والرأفة على خلق اللَّه ، وبذل ما يصلحون به ، ويرشدون عليه . وزعمت أنك لم تعلم أن التظاهر واقع عليك وأيّ حق لطَّ ( 1 ) دونك . قد سمعت وعلمت ما قال الأنصار بالأمس سرّا وجهرا ، وتقلبت عليه بطنا وظهرا ، فهل ذكرت أو أشارت بك أو وجدت رضاهم عنك ؟ هل قال أحد منهم بلسانه إنك تصلح لهذا الأمر ؟ أو أومأ بعينه أو همّ في نفسه ؟ أتظن أن الناس ضلَّوا من اجلك ، وعادوا كفّارا زهدا فيك ، وباعوا اللَّه تحاملا عليك ؟ . لا واللَّه ! لقد جاءني عقيل بن زياد الخزرجيّ في نفر من أصحابه ومعهم شرحبيل بن يعقوب الخزرجيّ وقالوا : إن عليّا ينتظر الإمامة ، ويزعم أنه أولى بها من غيره ، وينكر على من يعقد الخلافة ، فأنكرت عليهم ، ورددت القول في نحرهم حيث قالوا : إنه ينتظر الوحي ويتوكَّف مناجاة الملك . فقلت ذاك أمر طواه اللَّه بعد نبيه محمد صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، أكان الأمر معقودا بأنشوطه ، أو مشدودا بأطراف ليطه ( 2 ) ؟ كلا ! واللَّه لا عجماء بحمد اللَّه إلا أفصحت ، ولا شوكاء إلا وقد تفتّحت . ومن أعجب شأنك قولك : ولولا سالف عهد وسابق عقد ، لشفيت غيظي ؛ وهل ترك الدين لأهله أن يشفوا غيظهم بيد أو بلسان ؟ تلك جاهليّة وقد استأصل اللَّه شأفتها واقتلع جرثومتها ، وهوّر ليلها ، وغوّر سيلها ، وأبدل منها الرّوح والرّيحان ، والهدى والبرهان . وزعمت أنك ملجم ؛ ولعمري إن من اتقى اللَّه ،

--> ( 1 ) لطَّ حقه ولطَّ عليه : جحده . واللَّط في الخبر أن تكتمه وتظهر غيره . ( اللسان 7 / 389 ) . ( 2 ) اللَّيطة : قشرة القصبة والقوس والقناة وكل شيء له متانة . ( اللسان 7 / 397 . ) .